مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية

العرفان مجلة علمية سنوية تأسست في عام 2014 في معهد الدراسات الإسبانية البرتغالية. المجلة تنشر الأبحاث المتخصصة ومتعددة التخصصات، مع التركيز على استكشاف العالمين الاسباني البرتغالي وتقاطعاتهما، بأبعادهما التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

Image non disponible

Slider

مراجعات الجهاديين المغاربة. دراسة في وثيقة سرية من داخل السجون المغربية

إدريس الكنبوري
(جامعة محمد الخامس بالرباط (المغرب

ملخص

نتطرق في هذه الدراسة إلى أول تجربة لمخاض المراجعات النقدية عند التيار السلفي الجهادي بالمغرب، وذلك بالاعتماد على وثيقة سرية من داخل السجون المغربية، كتبها الجهادي الفرنسي بيير روبير ريشار الذي تم اعتقاله على إثر تفجيرات 2003 بمدينة الدار البيضاء. ويعبر ريشار في هذه الوثيقة عن موقفه الرافض لتجاوزات التيار الذي ينتمي إليه، مراجعا أفكاره الشخصية والركائز الخاطئة للسلفيين من تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن. وثيقة ريشار هذه ليست في الواقع إلا تعبيرا عن مواقف العديد من مشايخ التيار الذين كانوا يقبعون السجون إلى جانبه، فهناك أدلة على أنهم هم من دفعوا به لكتابتها ونشرها تهربا من أي غضب قد تثيره مراجعاتهم في الأوساط السلفية الجهادية.

الكلمات المفتاحية

المغرب، السلفية الجهادية، المراجعات، بيير روبير ريشار

Abstract

In this study, we discuss the first experience of the production of critical reviews (Murāj’āt) of the salafist jihadist movement in Morocco, based on a secret document from inside the Moroccan prisons, written by the French jihadist Pierre Robert Richard, who was arrested after the 2003 bombings in Casablanca. In this document, Richard expresses his rejection of the transgressions of the movement he belongs to, revising his personal ideas and the wrong pillars of the al-Qaeda and its leader, Ossama Ben Laden.

Richard’s document is in fact an expression of the attitudes of many sheikhs of the movement who were in prison alongside him. There is evidence that they were the ones who pushed him to write and publish it in order to avoid enraging the Salafist jihadist circles with their criticisms.

Keywords

Morocco, Salafia Jihadia, Murāj’āt, Pierre Robert Richard.

تقديم

تمثل الوثيقة التي نتطرق إليها في هذه الدراسة أول تجربة من نوعها في الوسط الجهادي المغربي لإجراء مراجعات نقدية للتجربة السياسية والقناعات الدينية. فخلال العام 2006 ، أثناء اشتغالنا على ملف المعتقلين السلفيين في السجون المغربية، تمكنا من إجراء حوارات مطولة مع الفرنسي بيير روبير أنطوان ريشار الذي اعتقل عام 2003 عقب تفجيرات الدار البيضاء المغربية التي وقعت ليلة 16 ماي من ذلك العام، وذلك من داخل السجن. وقد حصلنا منه على هذه الوثيقة الهامة التي تمثل باكورة ما يمكن إطلاق إسم « المراجعات » عليه.

وإذا كنا نطلق على تلك الوثيقة هذا الإسم فليس لأنها مراجعات حقيقية، كما هو الحال بالنسبة للمراجعات التي قامت بها جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر، أو الجماعات الجهادية في ليبيا والسودان، ولكننا نستعمل ذلك التعبير فقط على المستوى الاصطلاحي. ذلك أن السلفية الجهادية في المغرب، حتى 2003 ، لم تكن تجربة ناضجة عقديا وسياسيا مثلما هو الأمر مع التيارات السلفية الجهادية في بعض البلدان العربية الأخرى، كمصر والجزائر وليبيا والأردن، بل كانت مجرد بدايات أولى لتشكل تيار جديد من طرف شبان ومراهقين استفادوا من الأدبيات الجهادية خارج المغرب. والسبب وراء عدم إطلاق إسم المراجعات على مثل هذه الكتابات، أن السلفيين الجهاديين المغاربة لم تكن لديهم مدرسة متكاملة أو تيار منسجم، ولم يكن يتوفر على أدبيات ومؤلفات محددة يمكن الرجوع إليها، ولذلك فضلنا مصطلح «النقد الذاتي» على مصطلح «المراجعات»، لأن هذه «المراجعات» . كانت مراجعات فردية ولم تكن مراجعات جماعية، مقارنة بمراجعات التيارات السلفية الأخرى غير المغربية.1

وقد تطرقنا إلى سياق مفهوم المراجعات كما ظهر عند السلفية الجهادية في بعض التجارب العربية، وعقدنا فصلا خاصا لدراسة وثيقة روبير ريشار لقراءة خلفياتها وتفكيك مضامينها، معتبرين أنها كانت سابقة على مختلف «المراجعات» التي قام بها السلفيون المغاربة لاحقا بعد العام 2009 ، عندما ظهرت وثيقة « أنصفونا» التي أصدرها المعتقل السلفي السابق عبد الوهاب . رفيقي أبو حفص من داخل سجن سلا، وكذلك المراجعات التي كتبها حسن الخطاب في ثلاث كتيبات صغيرة عامي 2010 و 2011. وفي الأخير وضعنا نص الوثيقة رهن إشارة القراء للاطلاع عليها.

مفهوم المراجعات والتيار السلفي الجهادي

دخل مصطلح «المراجعات» لدى التيارات الجهادية الإسلامية حيز التداول منذ إقدام الجماعة الإسلامية في مصر في ماي 1997 على طرح مبادرتها الجريئة لوقف العنف وحالة التطاحن بينها وبين الدولة المصرية، بعد عقود من المواجهات المسلحة بين الطرفين منيت خلالها الجماعة بالهزيمة العسكرية أمام قوى الأمن المصري. وطيلة مراحل الصراع كانت الجماعة توجه سلاحها إلى المجتمع المصري وفئة السياح الأجانب لعزل النظام ودفعه إلى الانهيار، لكن استراتيجيتها باءت بالفشل أمام الإجماع الداخلي على نبذ العنف، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، فبات من الطبيعي، بالتالي، الاعتراف بهزيمة الفكر الذي حملته الجماعة وروجت له طيلة تلك العقود، والإقرار بأنه فكر معزول وسط المجتمع المصري من ناحية، وشاذ وسط تيارات الاتجاه الإسلامي من ناحية ثانية 2. وقد أثارت تلك المبادرة نقاشا قويا بين أتباع الجماعة الإسلامية في الداخل والخارج، ونعتها البعض ب «الصفقة» أو المقايضة مع النظام، لكن المبادرة نجحت في جر الكثيرين إليها، وكلل نجاحها بالبيان الذي أصدرته قيادة الخارج في 28 مارس . 1999 يؤيد المبادرة بالكامل ويرحب بوقف كل العمليات والبيانات المحرضة عليها 3 .

ومنذ تلك المبادرة، أصبحت كلمة «المراجعات» تطلق على جميع الخطوات التصحيحية أو النقدية التي تقدم عليها التيارات الإسلامية في العالم العربي، بما في ذلك مبادرات الحوار التي تمت بين بعض الأنظمة العربية وتيارات العنف والتكفير، كما حصل في المملكة العربية السعودية، بحسبان ذلك الحوار نوعا من المراجعة لدى تيار العنف. وخلال العام 2007 اغتنى ملف المراجعات بالوثيقة الهامة التي كتبها عبد القادر عبد العزيز، المعروف أيضا ب«الدكتور فضل» و «السيد إمام عبد العزيز الشريف» ،تحت عنوان «ترشيد الجهاد في مصر والعالم». وتنبع أهمية الوثيقة في أن صاحبها هو الأمير السابق لجماعة الجهاد المصرية، وعرف بأنه المنظر الشرعي لتنظيم القاعدة لأسامة بن لادن، كما أن كتبه ظلت مراجع أساسية لتيارات العنف والتكفير، بمن فيهم أعضاء. السلفية الجهادية في المغرب، وخاصة كتابه الشهير «العمدة في إعداد العدة»
الذي كان يعتبر بمثابة زاد «المجاهدين» أو إنجيل السلفيين، وكان يدرس في معسكرات تنظيم القاعدة في أفغانستان.

وفي وثيقة الدكتور فضل قواسم مشتركة كثيرة مع مراجعات الجماعة الإسلامية، إذ ناقش فيها القضايا الفقهية التي يرتكز عليها التيار السلفي وتنظيم القاعدة في تبرير الجهاد في البلدان المسلمة والعمليات التفجيرية، ويعلن انتقاده الصريح لمنهج التربية العقائدية التي يشحن بها تنظيم القاعدة أنصاره، ويكشف عن المخالفات الشرعية لها، كما يطالب الإسلاميين بالتوقف عن اعتماد مبدأ السمع والطاعة، الذي يدفعهم إلى إلغاء عقولهم وارتكاب مخالفات شرعية، تنفيذا لأوامر قادتهم «المختفين في الكهوف وليس في الصفوف الأمامية»4. والوثيقة محاكمة فقهية وفكرية لأدبيات تنظيم القاعدة، بل إن الدكتور فضل في إحدى الحوارات معه لم يتردد في القول بأن تنظيم القاعدة لا يتبعه إلا أحد رجلين «جاهل بدينه أو منتفع بدنياه»5.

وقد دخلت كلمة المراجعات قاموس التداول الإعلامي في المغرب خلال الأعوام القليلة الماضية، بعد تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 وتوالي إصدار معتقلي السلفية الجهادية في السجون المغربية لبياناتهم، وخصوصا بعد نشر محمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) لمقال ينتقد فيه تيار السلفية الجهادية ويوضح فيه بعض قناعاته بخصوص رفض العنف، وكذا مراجعات الفرنسي روبير أنطوان التي بين أيدينا.

غير أنه يجب التعامل بحذر مع مفهوم المراجعات في السياق المغربي، إذ لا ضرورة للمقارنة بين النموذجين المغربي والمصري، بسبب اختلاف نشأة التيار الجهادي في الحالتين وطبيعة الصراع بين ذلك التيار والدولة وقيمة الأدبيات الفقهية والسياسية التي أنتجها وكذا بالنظر إلى المسألة التنظيمية في كلا النموذجين، كما لا يجب انتساخ التجربة السعودية بالنظر إلى اختلاف السياق التاريخي مع التجربة المغربية، فالتيار السلفي في المملكة العربية السعودية، ممثلا في الوهابية، متجذر في البنية الثقافية والسياسية للمجتمع والدولة، بل إن الدولة نفسها تدين في مشروعية وجودها للوهابية، كما أن تعدد المرجعيات . السلفية، أو المشيخات، لعب دورا رئيسا في الدفع بمهمة الحوار والمراجعة، هذا إلى الدور الذي لعبته القبيلة في المملكة6.

مضمون الوثيقة

تمثل الوثيقة، من حيث الشكل، نموذجا لنوع المراجعات الدينية والفكرية التي يفترض أن يقوم بها تيار السلفية الجهادية في المغرب، فهي وثيقة شبه مكتملة تقريبا، وتشمل جل العناصر التي يحتمل أن لا تخرج عنها مراجعات هذا التيار، مثل الموقف من الحاكم، ومن تنظيم القاعدة، ومفهوم الجهاد، ومسألة التكفير، ومفهوم الولاء والبراء، وإن كان الملاحظ أنها أهملت ركنين أساسيين يتوجب لأي مراجعة في المغرب أن تشملهما، وهما الموقف من المذهب المالكي، والموقف من مؤسسة إمارة المؤمنين.
يبدأ ريشار مراجعته من تقرير أن السلفية الجهادية مصطلح يعبر عن حالة حقيقية وليس من اختلاق المخابرات المغربية، وهذا بخلاف ما يتردد لدى بعض رموز هذا التيار داخل السجون، بمن فيهم من يسمون بالشيوخ، الذين يقولون إن المصطلح ألصق بهم إلصاقا ولا يعبر عن معتقداتهم التي يتبنونها. غير أن ريشار يبدو وكأنه يضع المفهوم في إطاره العام، فهو بالنسبة إليه اختيار تم الأخذ به للتميز عن السلفية التقليدية التي ترفض العنف، وللتعريف بهوية المنتمين إليه، بوصفهم منتسبين إلى تيار يؤمن بالجهاد المسلح. بعد ذلك يبسط مكونات الفكر السلفي الجهادي في ثلاث مكونات أساسية هي: الجهاد، والتكفير، والولاء والبراء، ثم يشرح كل واحد من هذه المرتكزات ويناقشها واحدا واحدا، ناسفا مشروعية السلفية الجهادية انطلاقا من نسفه لتلك المرتكزات.
على أن أهم نقطة تلفت الانتباه في مراجعات ريشار هي الموقف من تنظيم القاعدة، إذ لأول مرة نجد موقفا صريحا وجذريا من تنظيم أسامة بن لادن لدى شخص من التيار السلفي الجهادي في المغرب، فقد جرت العادة لدى غالبية السلفيين الجهاديين على التمييز بين استراتيجيتين للقاعدة، استراتيجية خارجية تستهدف بعض الدول الغربية وتتحرك ميدانيا في بعض بؤر التوتر في العالم العربي والإسلامي كالعراق وأفغانستان وفلسطين، واستراتيجية داخلية تستهدف البلدان العربية والإسلامية، فيتم رفض الاستراتيجية الثانية وتبني الدفاع عن الاستراتيجية الأولى. ويكشف روبير، من خلال تجربته في السجن مع معتقلي تيار السلفية الجهادية، أن نصرة السلفيين للقاعدة “تعتبر واجبا دينيا، تحدد من خلالها صحة إيمان السلفي الجهادي”، وأن هذه الموالاة داخل السجن تتمثل في ارتداء القميص الأفغاني وإنشاد أشعار في مدح القاعدة والدعاء لها بالنصر والتمكين.
ولا يكتفي روبير ريشار بإعلان موقفه الرافض للقاعدة في استهدافها للمدنيين في كلا الاستراتيجيتين، الداخلية والخارجية، بل ينادي بإعلان الحرب عليها، مسندا موقفه على كون القاعدة قد أعلنت حربا مفتوحة على جميع الدول العربية المسلمة، ليخلص إلى أن الموقف منها، بالنسبة للمسلم، يتحدد وفق طبيعة الإجابة عن ثلاثة أسئلة، هي:

  • السؤال الأول : هل يجوز قتل بعض المسلمين إذا كانوا ظالمين؟ الجواب : نعم، لأن الله أمرنا بقتال قطاع الطرق، وأمرنا صلى الله عليه وسلم بقتال من ينازع السلطان على الحكم
  • السؤال الثاني : هل يجب قتال القاعدة؟ الجواب : نعم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال”أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”، فقتال القاعدة يعتبر واجبا دينيا لمنعها من بغيها
  • السؤال الثالث : هل يجوز محالفة الغربيين على محاربة القاعدة؟ الجواب : نعم، لأنه كما سبق القول قد تصالح. النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة على رد المهاجرين من المسلمين وعدم احتوائهم في المدين

يسير هذا الموقف في نفس الاتجاه الذي أبدته “المفوضية الإسلامية” التي تمثل التجمعات الإسلامية في إسبانيا مثلا، في عام 2005 ، عندما أصدرت أول فتوى دينية تعتبر فيها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن شخصا مرتدا، أعقبتها فتوى ثانية أصدرها مجلس الفقه الإسلامي في أمريكا الشمالية بمساندة أكثر من 120 إماما ومنظمة مسلمة في الولايات المتحدة، في مايو 2005 ، حول حرمة العمليات الانتحارية وحرمة استهداف الأبرياء والتعاون مع أي فرد أو مجموعة متورطة في أعمال إرهابية وإجرامية، في إشارة خفية إلى تنظيم القاعدة دون ذكره بالاسم، والذي يعمل على تجنيد المقاتلين المسلمين في صفوفه.
القضية الأخرى التي تستوقفنا في “مراجعات” روبير ريشار، هي قضية التسيب والفوضى في إصدار الفتاوى لدى السلفيين، وتحويل التكفير إلى ورقة يلوَحُ بها في كل مناسبة بنوع من الاستسهال. وهو يرى أن الجهاديين “لم يحترموا لا العلماء ولا العلم الشريف، عندما تجرأوا على إصدار فتاوى تكفيرية كانت سبب الفتنة التي خربت ديار كثير من الدول الإسلامية، وتوشك أن تخرب الديار المغربية لولا يقظة السلطات الأمنية والمجتمع المدني. زيادة على هذا فإن الجهاديين لم يثبتوا القواعد والضوابط في «التكفير». ويرجع هذا، في رأي روبير، إلى كون المنتسبين إلى الدعوة السلفية الجهادية والتقليدية «لم يفهموا المقصود من الدعوة، وبدلا من التفقه في الدين، بذلوا جل مجهودهم ووقتهم في قراءة كتب السنة دون أن يفهموها على الوجه الصحيح. فكما قال العلماء «من حرم من الأصول حرم من الوصول»، فإن عدم تمكنهم من العلم الشرعي منعهم من فهم مقاصد الدين، وأبعدهم عن نهج نبينا صلى الله عليه وسلم». وهنا يسجل الفرنسي المتسلف، وفي خطوة متقدمة داخل المشهد السلفي،أن «الدعوة السلفية الصحيحة ليست دعوة إلى التخلي عن الحداثة والرجوع إلى عصر النبوة في كل تفاصيل الحياة». وينتقد ربط الدعوة السلفية بالعمل الجهادي، معتبرا ذلك «تلبيسا على الناس، وتزييفا لمعنى الدعوة السلفية الصحيحة، قام به بعض المبتدعين، ففاض غيظهم وحقدهم على الناس، لعله لأسباب شخصية». وهو يفرق بين المجتهد وطالب العالم، ويضع من يسمون بشيوخ السلفية الجهادية في السجون ضمن دائرة طالبي العلم، مستثنيا «الشيخ أبا حفص» الذي يرى أنه «قد يكون تجاوز درجة طلب العلم لإلمامه الواسع بالفقه وأصوله، وقد أخذت هذا التقسيم منه». ويظهر واضحا من خلال هذه الإشارة تأثر روبير ريشار بأبي حفص، نتيجة الاحتكاك الذي حصل معه، الأمر الذي يشجعنا على ترجيح القناعة بأن ما ورد في «مراجعات» روبير يستند في الكثير منه على أفكار وطروحات محمد عبد الوهاب رفيقي.
ويفضل روبير ريشار أن يختم ورقته برسالة موجهة إلى الشباب «الغيور على دينه»، داعيا إياه إلى عدم الاغترار بالشبهات، ويقول : «فلتكن تجربتي خير دليل على مدى تدمير هؤلاء لحياة الناس. فيا أخي لا تقع في شراكهم ولا تكن ضحيتهم المقبلة، ولتعلم أنهم استباحوا الكذب تحت ما يسمى بالتقية، ولذلك كن على حذر منهم، فإن لم ينجحوا في استقطابك استغلوك في قضاء أغراضهم » .

السياق العام للوثيقة

بتحليل وثيقة الفرنسي روبير أنطوان ريشار نجد أنفسنا أمام أسئلة عدة تخص مصدرها وصدقيتها ومدى ترجمتها لأفكار معتقلي تيار السلفية الجهادية في السجون. يقتضي المنطق والمنهج العلمي التشكيك ابتداء في مرجعية الوثيقة وكونها محررة بيد ريشار نفسه. لقد عرفنا من خلال الفصل السابق أن ريشار أسلم عام 1992 ، وهاجر إلى تركيا عام 1994 حيث تعلم اللغة العربية وتلقى دروسا في الفقه على يد شخص تركي، قبل أن يرحل إلى باكستان ثم أفغانستان حيث تلقى دروسا في الفقه والعقيدة في معسكرات تنظيم القاعدة، ثم انتقل للاستقرار في المغرب حيث تلقى دروسا على يد بعض مشايخ السلفيين، وفي النهاية اعتقل عام 2003 . إن سبع سنوات غير كافية إطلاقا لكي يتلقى المرء علوم الفقه والأصول والتفسير والبلاغة ويمتلك القدرة على النقد والتمحيص والغربلة بين هذه المعارف والعلوم، إما إذا كان هذا الشخص أجنبيا ويضاف إلى هذه العلوم كلها بالنسبة له مشكلة تعلم اللغة العربية التي هي وعاء هذه المعارف، فإن الأمر – بالتأكيد – سوف يكون في غاية الصعوبة، وأي جزم بعكس ذلك سيكون ضربا من المزايدة التي لا لزوم لها.
يعرض ريشار أهم الأفكار والمبادئ التي تنتشر في أوساط السلفيين الجهاديين، وينتقدها بطريقة تنم عن وجود شخص واسع الاطلاع وراءها، له ما يكفي من الدراية بالفقه والتفسير والأصول والسيرة. إن الطابع الحكائي والسردي للسيرة النبوية قد لا يطرح هنا مشكلا، فبإمكان ريشار أن يحيط بها أو بأجزاء عريضة منها، لكن الإشكال يكمن في العلوم الأخرى التي يكشف ريشار عن باع عريض فيها، على الأقل حسبما تعكسه الوثيقة المكتوبة.
إننا أمام أول محاولة، سواء في المغرب أو خارجه، يقوم فيها شخص أجنبي دخل الإسلام واعتنق إحدى أكثر تياراته تشددا، بإعادة «قراءة» جزء من أدبيات هذا التيار وانتقاده وإعلان التبرؤ منه، أو وضع توقيعه تحتها متبنيا إياها. وهذا مثير حقا، أن يكون شخص فرنسي هو الذي يقوم بمبادرة سباقة إلى مراجعة أفكار السلفية الجهادية في المغرب.
تطرح الوثيقة تساؤلات عدة. من المؤكد أن روبير ريشار لا يمثل تيارا وسط السلفية الجهادية، وبالرغم مما قيل عن تنصيبه «أميرا» على مجموعة من أتباع السلفية الجهادية في فاس فإن مفهوم الإمارة ينبغي التعامل معه بنوع من المحدودية القصوى واعتباره داخلا في الإمارة العسكرية وليس الدينية أو السياسية. لكن هذا لا يعني أن الوثيقة هي وثيقة معزولة تماما عن الوضع العام الذي يعيشه معتقلو السلفية الجهادية في السجون وطبيعة النقاش الدائر بينهم بخصوص الأفكار الرائجة في صفوفهم، والتي صنعت من كثيرين منهم أشخاصا متشددين، وحتى إرهابيين برسم التنفيذ.
من هذا المنطلق، لا نستبعد أن تكون الوثيقة ترجمة لأفكار فئة من معتقلي السلفية الجهادية، تحدد دور ريشار فقط في إخراجها للعلن وترافقت مع الأزمات النفسية التي عاشها، وذلك لسببين:
الأول: أن كون ريشار فرنسيا سوف يجعله في حِل من التبعات التي يمكن أن تنتج عن تلك المراجعة النقدية لأفكار السلفية الجهادية. ذلك أن قضية المراجعات كانت تفسر من قبل المعتقلين السلفيين على أنها نوع من التراجع، وهو ما أكده محمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) في رسالة له في أبريل 2007 حينما قال إن هناك بعض المعتقلين الذين يتعاملون مع موضوع المراجعات والبيانات المتعلقة بها «بالانهزامية والانتكاس والإرجاف، مع أن المراجعة أصل شرعي، وواجب دعوي، ولا خير في رجل لا يراجع نفسه، ولا يقف وقفات تأمل ليرى ماذا صنع وأين أخطأ وكيف يمكن إصلاح الخلل؟ »7.
والثاني: يرجع إلى رغبة تلك الفئة في معرفة ردود الفعل عليها قبل تقدير إمكانية توسيع تلك المراجعات من عدمها. ولذلك لا ينبغي التعامل مع الوثيقة على أنها ترجمة حرفية لأفكار روبير ريشار وحده، بل على أساس كونها تعكس تيارا معتبرا وسط معتقلي السلفية الجهادية اتجاه مسألة المراجعة. وقد جاءت رسالة محمد عبد الوهاب رفيقي في مارس 2007 إثر تفجيرات 11 مارس من نفس العام بالدار البيضاء لتظهر بروز حركية فقهية جديدة وسط السلفيين الجهاديين إزاء هذه المسألة، كما جاءت رسالته المفصلة في شهر أبريل من نفس السنة لتكشف هذا الأمر بوضوح. ودلت تلك الحركية على وجود نوع من التحول في مواقف بعض المعتقلين ومن يسمون بشيوخ السلفية الجهادية في السجن، والذين كانوا يرفضون مسألة الاعتراف بالأخطاء بدعوى أنها ليست موجودة، ويدفعون بالقول بأن الاعتراف بتلك الأخطاء نوع من الإقرار بالأفعال المنسوبة إليهم خلال المحاكمة. ولا يستبعد أن تكون الوثيقة متأثرة ببعض مواقف أبي حفص نفسه، خصوصا وأنها تثني عليه في فقرة منها، كما أن أبا حفص في حوار قصير أجراه معه صاحب هذا الكتاب لم ينف هذا التأثر، رادا إياه إلى بعض اللقاأت التي كانت له مع روبير ريشار قبل مرحلة السجن، والتي كان يعبر له خلالها عن مواقفه اتجاه رفض مسألة العنف والتكفير، حسب تصريحاته.
وإذا كانت الوثيقة ليست معزولة تماما عن سياقها العام، فإنه لا ينبغي فصلها عن الظروف الشخصية لروبير ريشار من حيث توقيت طرحها. هذا لا يعني القول بأنها رد فعل عابر وتلقائي على ظروف السجن القاسية فحسب، بل إنها تبدو بمثابة إجابة طبيعية عن تساؤلات خامرت السلفي الفرنسي بعد رحلة طويلة مع الفكر المتطرف انتهت به وراء أربعة جدران بالسجن المؤبد. فقد بدأ روبير ريشار يشعر بالعبث من حمل ذلك الفكر ويستقرئ تجربته الماضية ليجد أنه كان يدور في حلقة مفرغة بلا معنى، الأمر الذي ولد لديه شرخا نفسيا عميقا آل به إلى الانقلاب جملة على المنظومة الدينية التي كان يؤمن بها برمتها، ودفعه إلى المطالبة بمقابلة القس الكاثوليكي في الرباط، بعدما لم يعد يجد في محيط السجن من ينصت إليه ويقاسمه همومه النفسية. فهو يعترف في الحوار معه بأنه رأى في الوسط السلفي داخل السجن ما لم يكن يتصور وجوده من قبل، كالكذب والخيانة والنفاق، ويقول بأنه كان يتصور بأن يتحول السجن إلى «جنة» على الأرض بسبب كون السلفيين اجتمعوا فيه وباتت لديهم الفرصة لتحويله إلى مدينة فاضلة، لكن العكس هو ما لقيه، ليتولد لديه شعور بالفشل وبصغر حجم «المشاريع الفكرية» التي كان يؤمن بها، على فرض وجود مثل هذه المشاريع أصلا، والخلاصة أن التيار السلفي الجهادي لا يعيش أزمة فكر فقط، بل أزمة قيم أيضا، وفق هذه الرؤية.
غير أن الوثيقة، على الرغم من كونها تعكس وجها من وجوه المراجعات التي كانت تختمر داخل الوسط السلفي الجهادي في السجون، لم تلق قبولا واسعا أو تجاوبا في هذا المحيط السلفي. يعود ذلك في تقديرنا إلى كون صاحبها فرنسيا بدرجة أولى، أي أنه يتصف يما يمكن أن نصطلح عليه ب «الغربة الثقافية » في هذا المحيط بالرغم من انتمائه إليه. إن الرجل يبقى فرنسيا حتى وهو يقضي عقوبة بالسجن المؤبد باسم ذلك التيار نفسه، لكنه في العمق يشعر بثقل هويته خصوصا وأن انقلابه على الفكر السلفي كان بمثابة انقلاب على نفسه، أي على شخصيته التي صاغتها الأفكار السلفية طيلة المرحلة الممتدة من اعتناقه الإسلام إلى اعتقاله. إن روبير ريشار لم يعتنق الإسلام عام 1992 بقدر ما اعتنق تيارا سياسيا متشددا دفعة واحدة، فامتزج لديه الانتماء الديني بالانتماء السياسي، وكان من الطبيعي أن يكون التحول ضمن نفس المسار، أي ليس تحولا فقط في الانتماء السياسي للسلفية، بل في الانتماء الديني للإسلام، بل حتى إن البعض من معتقلي السلفية يقولون إن روبير ريشار أصبح يحمل معه داخل السجن الصليب رمز المسيحية، كعربون على تحوله وإعلان ظاهر على انسلاخه من السلفية، حسب فهمه الذي لا تنفك فيه السلفية عن الإسلام، أو ربما كان في ذلك إشارات معينة موجهة إلى المسؤولين من أجل التعامل الإيجابي مع ملفه.
أما في الدرجة الثانية، فلأن روبير ريشار لا يمثل توجها قائما وسط تيار السلفية الجهادية، بقدر ما يمثل حالة شبه ناشزة، من ناحية لأنه لا يمتلك العلم الشرعي الذي يخوله إمكانية الحديث باسم هذا التيار أو جزء منه، ومن ناحية ثانية لأنه لم يكن زعيم جماعة بالمعنى الديني، مما يخول له صلاحية إحداث التحول الراديكالي في منظومتها الفكرية.

خاتمة

يمكننا القول بأن وثيقة الفرنسي روبير ريشار كانت تجربة أولية لمخاض المراجعات في الوسط السلفي الجهادي المغربي داخل السجون، تبلورت في ما بعد في تجارب فردية مختلفة تم الترويج الإعلامي لها على نطاق واسع. وحسب السلفي الجهادي السابق، عبد الوهابي رفيقي أبو حفص الذي قضى عقوبة بالسجن من عام 2002 إلى عام 2011 حين غادر السجن برفقة سجناء آخرين بعفو ملكي خلال مرحلة الربيع العربي، فإن وثيقة ريشار ساهم فيها كثيرون من مشايخ التيار داخل السجون المغربية، وتم دفع ريشار إلى الواجهة لنشرها، تهربا من الغضب الذي يمكن أن تسببه المراجعات لهؤلاء المشايخ، خصوصا وأن الكثير من . السلفيين الجهاديين في السجون المغربية كانوا ينظرون إلى أي محاولة للمراجعة بوصفها تراجعا ونكوصا وهزيمة لا مراجعة فكرية8. ويمكن الاستدلال على ذلك بالوثيقة التي تحمل عنوان «الأجوبة السنية على الأسئلة الثلاثينية»9 التي أصدرها عدد من السجناء السلفيين المغاربة داخل السجون عام 2010 ، ردا على سلسلة المراجعات التي كتبها بعض المعتقلين، ومنهم أبو حفص رفيقي نفسه صاحب وثيقة «أنصفونا».

نص الوثيقة

إن كتابتي هذه ما هي إلا محاولة لتسليط الضوء على موضوع جوهري، إن لم أقل مصيري، ويتعلق بنقد الفكر السلفي الجهادي عن طريق الإشارة إلى عدة نقاط أتتبع من خلالها نهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفحوى الإسلام الصحيح.
فأنا ألبس جلباب الحياد، محاولا بكل ما أوتيت من قوة أن أقوم الانحراف الذي شاب الفكر السلفي وكان السبب في ضياع الكثير من الشباب الغافلين.
من خلال هذا البحث سوف أتطرق إلى ماهية الفكر السلفي الجهادي ومقوماته وما ينتج عن هذا الفكر، وأتمنى بمجهودي المتواضع هذا أن أصيب فيه أكثر مما أجانب الصواب.
وللتعرف على الفكر السلفي الجهادي فلا بد من معرفة من هو السلفي الجهادي. فهم الجهاديون معنى كلمة سلفي بأنها تعني انتساب المسلم إلى السلف الصالح، وهم الصحابة ومن تبعهم، في فهم النصوص الدينية، مع الامتناع عن التقيد بمذهب معين في التعبد، ولكي يميزوا أنفسهم عن السلفيين التقليديين الذين يرفضون العنف سموا أنفسهم سلفيين جهاديين، أي منتسبين إلى الحركات الجهادية المسلحة، فهذه التسمية ليست من صنع الاستخبارات العربية كما ادعى البعض.
فالسلفي الجهادي يزعم بأنه المسلم الحقيقي الذي يتبع نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم دون الرجوع إلى كتب الأئمة، فلا يلتزم بمذهب معين، ويؤمن بضرورة الجهاد المسلح ضد الأنظمة التي يعتبرها كافرة. فالفكر السلفي الجهادي يرتكز على ثلاثة دعائم أساسية، هي الجهاد والتكفير والولاء والبراء.

أولا: مسألة الجهاد

الجهاد عند السلفيين الجهاديين «فرض عين» على الأمة كلها، بناء على أخذهم بظاهر الآيات الداعية إلى القتال، والتي يعتبرونها ناسخة لما سبقها من الآيات التي تدعو إلى الصفح والسلم. كذلك فإنهم أخذوا بظاهر كلام الإمام الطحاوي في عقيدته الشهيرة، والذي قال «والحج والجهاد ماضيان إلى يوم القيامة، والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة،لايبطلهما شيء ولاينقضهما». وقلدوا ابن حزم الظاهري حين قال في كتابه «المحلى» : «الجهاد واجب على كل مسلم، ولو لم يبق من المسلمين سواه»، وذهبوا إلى حد اعتبار الجهاد جزأ لا يتجزأ من العقيدة، إتباعا في ذلك لمحمد ابن عبد الوهاب الذي وضع للجهاد بابا في كتابه «التوحيد».
زيادة على هذا فإن الجهاديين اعتبروا أن الجهاد غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لتحقيق مصالح أو دفع مفاسد، وأن سبب قتاله صلى الله عليه وسلم كان هو كفرهم، أخذا بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»، بل ذهب الجهاديون أبعد من ذلك، فاعتبروا كل من لم يقاتل خارجا عن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم « ستفترق أمتي ثلاثًا وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هم؟ قال: الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي». وقوله صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على عدوهم لا يضرهم من خذلهم إلى يوم». ويرى الجهاديون أن سبب تأخر الأمة الإسلامية وذلها أمام الدول الكبرى ما هو إلا تركها لفريضة الجهاد، استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى»، حيث قال الجهاديون إن الرجوع إلى الدين هو إحياء فريضة الجهاد (هنا أفتح قوسا لأحيط القارئ علما بأنه في السجن هذه العقيدة تتجلى في الإعداد للجهاد فكريا وبدنيا، إذ يقوم السلفيون بتداريب شبه عسكرية، ويتشجعون على الاستمرار في طريق الجهاد عبر أمسيات وعظية مليئة بالأناشيد التي تدعو إلى المشاركة في القتال ضد الكفرة والمرتدين)

ثانيا: مسألة التكفير

إن الجهاديين يرون أن الكفر الذي هو ناقض الإيمان، يكون في القلب بانتفاء التصديق، والأعضاء بارتكاب الأعمال المكفرة، واللسان بالتلفظ بالأقوال المكفرة. ويعتبرون الظاهر وليس الباطن في الحكم على الشخص بالكفر، إتباعا للآية : «بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم» [التوبة: 47 ]، قالوا في تفسير الآية: حكم الله بكفرهم بمجرد القول الذي تلفظوا به. بناء على هذا فإن الجهاديين قسموا الأعمال المحرمة إلى قسمين: أعمال مكفرة وأعمال غير مكفرة. قالوا: فإذا وردت في النصوص كلمة الكفر معرفة فالمقصود منها الكفر الأكبر المخرج لصاحبه عن ملة الإسلام، في مثل قوله تعالى : «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» [المائدة 44 ]. أما إذا وردت كلمة الكفر نكرة، فالمراد منها الكفر الأصغر أي الكفر المجازي، وهو نوع من الكبائر، وذلك على ضوء قاعدتهم الفاسدة التي يعتبرون فيها أن التشريع من دون الله والحكم بغير ما أنزل الله وقبوله والرضا به والتحاكم إليه كفر مخرج عن ملة الإسلام. وأخير اعتبروا أن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله طاغوتا، استدلالا بقوله تعالى : «إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا» [النساء 06ـ16]. فلهذا قاموا بتكفير جميع الأنظمة العربية وجميع سلطات تلك الدول، من الحاكم إلى الشرطي العادي الذي يحافظ على أمن المواطنين، واعتبروا البرلمان مركز الشرك والردة لأنه مركز التشريع من دون الله في رأيهم.

المسألة الثالثة:

الولاء والبراء، فالسلفيون الجهاديون يعتقدون أن من صميم الإيمان موالاة أهل الإسلام والبراءة من أهل الكفر، استنادا إلى قوله تعالى: «المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء» المؤمنون إخوة [التوبة 17 ]، وقوله تعالى « إنما المؤمنون» [الحجرات 01 ]، وقوله تعالى : «قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم» [المجادلة 22]، وقوله «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم» [المائدة 15]، وقوله صلى الله عليه وسلم «المؤمن مرآة أخيه والمؤمن أخو المؤمن»، وقوله صلى الله عليه : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وموالاة المؤمنين تتمثل في نصرتهم وتقديم يد العون لهم ومحبتهم والدعاء لهم. والبراءة من الكفار تتمثل في بغضهم والشد عليهم ومخالفتهم في جميع شؤونهم، كما نص على ذلك ابن تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم».
فالسلفيون يرون أن موالاة الكفار على المسلمين من الأعمال المكفرة، كما ذكره محمد ابن عبد الوهاب في رسالته «نواقض الإسلام العشرة». فكما ذكرت سابقا فإن السلفيين يعتبرون الأنظمة العربية كافرة، وبسبب هذا استوجبوا على أنفسهم البراءة من هذه الأنظمة. فنصروا دولة «طالبان» التي اعتبروها الدولة الإسلامية الوحيدة، وظل هذا الولاء بعد سقوط الدولة قائما لتنظيم القاعدة. فنصرة السلفيين للقاعدة يعتبر واجبا دينيا، تحدد من خلالها صحة إيمان السلفي الجهادي. وهذه الموالاة داخل السجن تتمثل في ارتداء القميص الأفغاني وإنشاد أشعار في مدح القاعدة والدعاء لها بالنصر والتمكين، كما هو مشهود في جميع سجون المملكة المغربية.

نقد الفكر السلفي الجهادي

ما سبق أن قلته هنا كان شرحا للفكر السلفي الجهادي، وما يعتقده المنتسبون إلى هذا التيار. أما الآن فسأدخل في نقد وتوضيح الأخطاء التي ارتكبها هؤلاء عند قراءتهم للكتاب والسنة وكتب الأئمة، حتى يتسنى للشباب عدم الوقوع في نفس الانزلاقات والتأويلات الخاطئة. وهذا النقد يجري وفق نفس التقليد، الذي اتبعته في تعريف الفكر السلفي الجهادي وأسسه.
معنى كلمة السلفي: كما قال الجهاديون فإن الحركة السلفية هي دعوة للرجوع إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما فهمه الصحابة، بعيدا عن شابها من بدع عبر مرور الزمن. لكن الرجوع إلى السنة لا يعني مطلقا التخلي عن الثروة الفقهية التي ورثها المسلمون والامتناع عن التقيد بأحد المذاهب المعتبرة. فالدعوة السلفية تركز على التشبث بعقيدة هؤلاء الأئمة التي اتفقوا عليها، مع تقليد واحد منها عند البحث عن حكم من الأحكام الفقهية، لأنهم – أي الأئمة – ما قاموا سوى ببيان مقصوده صلى الله عليه وسلم كما تلقوه من التابعين الذين أخذوه عن الصحابة.
ولفهم مكمن الخلاف بين السلفية الصحيحة والخاطئة، فلا بد من التطرق إلى مسألة التقليد في الدين، ومتى يجب ومتى يترك. فالناس اتجاه العلم الشرعي على ثلاثة أقسام: العامي والمجتهد وطالب العلم. فالعامي هو الذي لا يعرف معنى النصوص وتأويلاتها، ولا دراية له بأصول الفقه (الأصول العامة التي تستخدم في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية). فهذا الصنف يقلد العلماء، بمقتضى قوله تعالى : «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» [الأنبياء 7]. حيث أجمع العلماء أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بخبره عن القبلة، إذا أشكلت عليه، ولذلك عرف العلماء التقليد بأنه قبول الغير من غير معرفة بدليله. وهذا الصنف الأول يمثل أغلبية المنتسبين إلى السلفية الجهادية، والذين رغم جهلهم ادعوا معرفة أسرار النصوص عبر الاعتماد على كتب الحديث دون الرجوع إلى كتب الأئمة.
أما المجتهد فهو من له الصلاحية في استنباط الأحكام من النصوص لبلوغه درجة الاجتهاد. واختلف العلماء عند وضعهم للشروط، وانقسموا بين متسهل ومتشدد. والقول الوسط في هذه الشروط أن يكون عارفا بالكتاب والسنة، وأن يكون عالما بلسان العرب معرفة إجمالية، وله ملكة في النحو والبلاغة، وأن يكون عالما بأصول الفقه، ليعرف القواعد التي تتبع في الاستنباط، وأن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ.

أما طالب العلم فهو من كان في طريق طلب العلم، ولم تكتمل له آلاته، فهذا عليه أن يتبع غيره لكن عليه أن يسأل عن الدليل على الحكم، وإن استطاع أن يرجح بين أقوال أهل العلم بناء على معرفته بأصول كل مذهب وطريقة استنباطهم فله ذلك، مع أن العلماء اختلفوا في جواز ذلك.
فجل شيوخ السلفية الجهادية ينتمون إلى هذا القسم، لكن الشيخ أبا حفص قد يكون تجاوز درجة طلب العلم لإلمامه الواسع بالفقه وأصوله، وقد أخذت هذا التقسيم منه.
على ضوء هذا التقسيم يظهر جليا أن المنتسبين إلى الدعوة السلفية الجهادية والتقليدية لم يفهموا المقصود من الدعوة، وأنه بدلا من التفقه في الدين، بذلوا جل مجهودهم ووقتهم في قراءة كتب السنة دون أن يفهموها على الوجه الصحيح. فكما قال العلماء : «حرم من الأصول حرم من الوصول»، فإن عدم تمكنهم من العلم الشرعي منعهم من فهم مقاصد الدين، وأبعدهم عن نهج نبينا صلى الله عليه وسلم. أما فيما يخص الرجوع على السنة فإن الدعوة السلفية الصحيحة ليست دعوة إلى التخلي عن الحداثة والرجوع إلى عصر النبوة في كل تفاصيل الحياة.
ولمعرفة المقصود الصحيح فلا بد من التعرف على معنى كلمة السنة. فالسنة لغة هي الطريقة، أما اصطلاحا فهي عند الأصوليين ما أمر الله به المكلفين على غير وجه الإلزام. وتسمى كذلك مندوبا ومستحبا. أما عند الفقهاء فكلمة السنة تطلق على كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وتخص العبادة. أما عند المحدثين فالكلمة تطلق على كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتشمل صفاته وحياته قبل النبوة. فالسلفيون المنحرفون أخذوا تعريف المحدثين وتركوا تعريف الفقهاء، وظنوا أن الرجوع إلى السنة يعني تقليد النبي صلى الله عليه وسلم في جل تفاصيل حياته، فنسوا أو تناسوا أنه صلى الله عليه وسلم كان قدوة في العبادة التي بعث من أجل بيانها، والأخلاق التي بعث من أجل ترسيخها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». أما بقية الأمور التي كانت تخص حياته اليومية فكان صلى الله عليه وسلم يوافق فيها عادات قومه، ومن أجل هذا ذكر العلماء أن من القواعد الفقهية المتفق عليها: العادة المحكمة. فالمقصود الصحيح من الرجوع إلى السنة هو الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يتعلق بالعبادة وتنقيتها من البدع التي شابتها، واحترام عادات وتقاليد القوم الذين يحيطون بالمسلم، مع الإدراك لمتطلبات العصر الحديث.

الجهاد

أي محاولة لربط الدعوة السلفية بالجهاد المسلح ما هي إلا تلبيس على الناس، وتزييف معنى الدعوة السلفية الصحيحة، قام به بعض المبتدعين، ففاض غيظهم وحقدهم على الناس، لعله لأسباب شخصية. وللتعرف على انحرافهم عن الدعوة السليمة فلا بد من التعرف على حقيقة الجهاد الذي قام به نبينا صلى الله وحقدهم على الناس، لعله لأسباب شخصية. وللتعرف على انحرافهم عن الدعوة السليمة فلا بد من التعرف على حقيقة الجهاد الذي قام به نبينا صلى الله.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن في القرآن عدة آيات تدعو إلى القتال. لكن لفهم هذه الآيات فلا بد من ردها إلى الظروف التي نزلت فيها، ومن أجلها. فعند تتبع التسلسل التاريخي لنزولها يتجلى أن جميع حروبه صلى الله عليه وسلم كانت دفاعية وليست هجومية. ومن الجدير بالذكر أن في بداية نبوته صلى الله عليه وسلم كان القتال محظورا حتى يتبين للناس أن الإسلام دين رحمة وتواصل وليس دين تقتيل وخراب. فما أذن الله بالقتال إلا عندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان القتال في سبيل الدفاع عن النفس والمال والوطن الإسلامي الجديد. فأنزل الله «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب»، فكان سبب القتال ردع المشركين ليكفوا عن عدوانهم. وهذه الآية ليست منسوخة لأن الله قد علل النهي عن العدوان بأنه تعالى لا يحب المعتدين. فالنهي إذن محكم غير قابل للنسخ، لأن الإخبار عن الله تعالى لا يدخله النسخ. فالذين لا يبدأون العدوان لا يجوز قتالهم ابتداء، لأن الله نهى عن الاعتداء والبغي والظلم، وجميع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت على هذا المنوال. فلما تجمع أهل مكة ورموا المسلمين عن قوس واحدة أمر الله بقتالهم جميعا، فقال «وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة» [ التوبة 63 ].
أما قتاله صلى الله عليه وسلم لليهود فكان بسبب نقضهم الميثاق الذي كان يربطهم بالمسلمين، وبسبب انضمامهم إلى المشركين والمنافقين ضد المسلمين، فوقفوا مقاتلين في غزوة الأحزاب فأنزل الله : «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب» [التوبة 92 ]. أما قتاله المشركين من العرب فبسبب نقض عهودهم بعد فتح مكة، فكان ذلك جاريا على هذه القاعدة. وهذا مثل قوله تعالى: «ألا تقتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم» [التوبة 31 ].

أما النصارى فلم يقاتل الرسول أحدا منهم حتى أرسل رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فدخل من النصارى من دخل في الإسلام، لكن من بقي منهم على دينه حارب المسلمين الجدد، وقتل كل من أسلم منهم، فلما بدأ النصارى في قتل المسلمين الجدد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أمر عليها زيد بن حارث، وهو قاتل قاتله المسلمون للنصارى، وكان ب «معونة» بأرض الشام.
فمن خلال ما تقدم يتبين أن الإسلام لم يأذن بالحرب إلا دفاعا ضد العدوان وحماية للدعوة ولحرية التدين، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين ويطلق عليها اسم الجهاد.
أما فيما يخص كلام الإمام الطحاوي، فلفهم قصده لا بد من معرفة سبب تأليفه عقيدته الشهيرة، فذلك كان ردا على الروافض(طائفة من الشيعة الإمامية).
فبما أن الروافض لا يرون الجهاد أو الحج إلا مع إمامهم المعصوم ذكر الإمام الطحاوي أن الجهاد والحج ماضيان إلى يوم القيامة مع ولي أمر المسلمين، إذا اقتضى الحال، أي في حالة الدفاع، فكان قصده بيان ضلال الروافض لا أن الجهاد واجب على الأمة في كل زمان ومهما كانت الظروف والأحوال.
أما فيما يخص إبن حزم، فلا نحتاج إلى بيان بطلان ادعائه، فإنه إمام الفرقة الشاذة الظاهرية التي انفردت بأقوال شنيعة جدا.
أما فيما يخص قوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس… إلى آخر الحديث» فهذا حديث عام مخصص بما ذكرته سابقا، لأنه كما هو معروف عند الأصوليين أن العام يرد على الخاص، فمعنى الحديث أن قتاله صلى الله عليه وسلم كان دفاعيا لحماية دعوته والمؤمنين الجدد، أما في عصرنا مع عولمة مبادئ حقوق الإنسان التي تضمن للجميع حق التدين فلا حاجة لإقامة الحروب في سبيل الدعوة، ولا معنى لذلك.

مسألة التكفير

إن مسألة التكفير هي من أخطر الأمور شأنا، إذ من أشنع ما يمكن أن يوصف به الإنسان المسلم هو اتهامه بالكفر والزندقة (النفاق)، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأساً فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً».
وليكن في علم الجميع أن التكفير حكم من أحكام الشريعة، وبذلك فهو من خصوصية المجتهد الذي قد بينت شروطه عندما تحدثت عن أقسام الناس اتجاه العلم الشرعي. فلا داعي لإعادة شرحها. لكن من الجدير بالذكر أنه عبر القرون كانت مسؤولية التكفير على كتف نخبة من المجتهدين الذين كانوا يجتمعون بما سمي بمحكمة الردة. وسبب وجود مثل هذه المحاكم التي تنافي حرية التدين راجع إلى الظروف السياسية التي كانت تفرض على الدولة أن تكون شمولية واستبدادية لكي تحافظ على استمرارها لأنه لم تكن هناك اتفاقيات دولية تحمي الدولة الإسلامية من الأطماع الخارجية، لكن في الوقت الحالي مع عولمة حرية الاعتقاد والتدين التي تتمتع بها شعوب الدول القوية والضعيفة على حد سواء، فلا غاية من وجود مثل هذه المحاكم لأن المحاكمين لم يعودوا يشكلون أي خطر على استمرار ودين الدولة المسلمة بكل مكوناتها، وبدل وجود مثل هذه المحاكم في المغرب الحبيب توجد رابطة العلماء التي تقوم بمهمة إصدار الفتاوى، لكن دورها دور إصلاحي وتنبيهي وتربوي، المتوافق مع متطلبات العصر وفلسفة الدين الحنيف المتمثل في قوله تعالى «لا إكراه في الدين»
[ البقرة: 652 ].
من هنا يظهر جليا أن الجهاديين لم يحترموا لا العلماء ولا العلم الشريف، عندما تجرأوا على إصدار فتاوى تكفيرية كانت سبب الفتنة التي خربت ديار كثير من الدول الإسلامية، وتوشك أن تخرب الديار المغربية لولا يقظة السلطات الأمنية والمجتمع المدني. زيادة على هذا فإن الجهاديين لم يثبتوا القواعد والضوابط في التكفير. ولكي نطلع على الأخطاء التي ارتكبوها في المسألة فلا بد من التعرف على القواعد التي وضعها العلماء في ضبط المسألة:

التعريف بالتكفير

فالتكفير هو إنزال الحكم بالكفر على شخص معين. فالكفر لغة هو التغطية والستر، واصطلاحا هو ناقض الإيمان، ولا يكون إلا في القلب بانتفاء التصديق، بخلاف ما قاله السلفيون بأن الكفر يكون في الأعضاء بارتكاب الأعمال المكفرة، أو اللسان بالتلفظ بالأقوال المكفرة. نعم، فإن الله قد حكم بكفر بعض الأشخاص بما قاموا به أو تلفظوا به، لكن ليس لأنهم كفروا بمجرد قيامهم بتلك الأعمال، بل بإرادتهم الكفر، أو بتعبير آخر: حكم الله بأنهم كفروا ليس لأن العمل كفر في ذاته، لكن لأنه دليل على انتفاء التصديق في قلوبهم، فلهذا فسر عبد الله بن عباس الصحابي الجليل الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم : ب: « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، فقال عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» [المائدة 44 ]، قال: كفر دون كفر، أي كفر عملي وليس كفرا اعتقاديا. وقال الإمام الطحاوي في عقيدته: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله» ، وقال «ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وبكل ما قاله وأخبر مصدقين».
بناء على هذا فالعلماء لم يكفروا حكام الدول العربية، لأن لا أحد منهم – أي الحكام – صرح بأنه كفر بما أنزل إلى محمد، بل كلهم مقر بصلاحية الأحكام القرآنية، لكنهم رأوا أن تلك الأحكام كانت صالحة فيما مضى، ومع ظهور الحداثة وجب إعادة النظر في تلك الأحكام حتى توافق متطلبات المجتمعات الحديثة. وأنا شخصيا أرى أن لهم نسبة من الصواب، إذ ما جاءت الأحكام الشرعية إلا لجلب المصالح ودفع المفاسد، وطريقة تحقيق ذلك قد تتغير حسب الظروف السياسية والاجتماعية. وقد سبق من أئمة المالكية من دعا إلى تغيير جميع الحدود بما فيها مقاييس الزكاة، ولا أحد من العلماء كفرهم. بل أكثر من هذا فإن قارئ كتب التاريخ يجد أن الإمام أحمد بن حنبل قد سجن وعذب بسبب عدم استجابته لعقيدة السلطان المعتزلي الذي أمر بحبس وتعذيب كل من لم يعترف بأن القرآن مخلوق، فجل العلماء استجابوا له إلا الإمام أحمد الذي تحمل التعذيب واستمر في «القرآن كلام الله، ومن قال بأنه مخلوق فقد كفر(لأن ذلك يتضمن تكذيب القرآن)»
الله عليه وسلم نهى عن الخروج على ولي أمر المسلمين، وهذا ما ذكره الإمام الطحاوي حين «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة».
فإن الجهاديين يعلمون جيدا قصة الإمام أحمد وكلام الإمام الطحاوي لكنهم يتغافلونه ويستمرون في ضلالهم، أسأل الله أن يهديهم ويشفي الدول الإسلامية من حماقاتهم.

مسألة الولاء والبراء

لمعرفة حقيقة الولاء والبراء لا بد من الرجوع إلى السيرة النبوية، لأنه صلى الله عليه وسلم قد وضع أسس ذلك من خلال تدبير علاقة الدولة الإسلامية مع المسلمين والمشركين على حد سواء. فقد كانت علاقته على مختلف الوجوه، تتأرجح بين الولاء والبراء، بحسب مصالح الدولة الإسلامية. حيث كان صلى الله عليه وسلم يتحالف مع البعض ويحارب البعض الآخر، أما بخصوص المسلمين فكان يناصرهم جميعا إلا عندما تصالح مع مشركي مكة في الحديبية، حيث كان من ضمن بنود الصلح رد مهاجري مكة من المسلمين إليها وعدم حمايتهم، فإنه صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة الدولة على مولاة مهاجري مكة.
نستنتج مما سلف أن موالاة المسلمين ليست أمرا مطلقا، كذلك الأمر بالنسبة للبراءة من الكفار. وهذه البراءة تضمحل عندما تكون هنالك اتفافيات مبرمة بين الطرفين، أي المسلمين وغير المسلمين. وبدلا من البراءة تصبح العلاقة علاقة تعاون وطيد وتعايش، كما قال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا » [الحجرات 31] ، وقوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» [الممتحنة 7].
أما اعتقاد الجهاديين بوجوب الحقد والبغض على الكافرين فلا أساس له من الصحة في الدين الإسلامي الحنيف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت من أحب أزواجه إليه مارية القبطية)النصرانية(. فعلى المسلم أن يكره الكفر الذي عند الكافر ولا يرضاه، لكن لا مانع من محبته كإنسان، وهذا ما ورد في شرح الإمام النووي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب»، قال الإمام النووي: هذا وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» [الممتحنة 7].
أما اعتقاد الجهاديين بوجوب الحقد والبغض على الكافرين فلا أساس له من الصحة في الدين الإسلامي الحنيف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت من أحب أزواجه إليه مارية القبطية(النصرانية). فعلى المسلم أن يكره الكفر الذي عند الكافر ولا يرضاه، لكن لا مانع من محبته كإنسان، وهذا ما ورد في شرح الإمام النووي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، قال الإمام النووي: هذا الحديث يشمل البشرية كلها.
أما موقف الإسلام من تنظيم القاعدة فمرتبط بالحكم الشرعي على ما تقوم به من الأعمال التخريبية، فقيام هذا التنظيم باستهداف حياة الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء وغير المحاربين من الرجال يعتبر كبيرة من الكبائر، إذ نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل كل من لم يشارك في القتال، وذهب الإمام الشافعي إلى أن الجندية الكافرة لا تستهدف إلا إذا وجهت سلاحها نحو المسلمين.
زيادة على هذا فإن القاعدة أعلنت حربا مفتوحة على جميع الدول العربية المسلمة. ولمعرفة باقي الموقف الواجب على المسلم اتجاه تنظيم القاعدة فيجب علينا الإجابة على ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: هل يجوز قتل بعض المسلمين إذا كانوا ظالمين: الجواب نعم، لأن الله أمرنا بقتال قطاع الطرق، وأمرنا صلى الله عليه وسلم بقتال من ينازع السلطان على الحكم.
السؤال الثاني: هل يجب قتال القاعدة؟ الجواب نعم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما»، فقتال القاعدة يعتبر واجبا دينيا لمنعها من بغيها.
السؤال الثالث: هل يجوز محالفة الغربيين على محاربة القاعدة؟ الجواب نعم، لأنه كما سق القول قد تصالح النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة على رد المهاجرين من المسلمين وعدم احتوائهم في المدينة.
إذن يتضح جليا ولا يدع مجالا للشك أن على الشعوب العربية أن توحد جهودها ضد الخطر الذي يهدد استقرارها ونموها وتقدمها، وعلى المجتمعات المدنية أن تنخرط بشكل فعال في القضاء على الفكر المنحرف.
ولن أترك الفرصة تفوتني كي وجه نداء إلى كل الشباب الغيورين على دينهم، أن لا يغتروا بالشبهات التي حاولت جاهدا توضيحها من خلال هذا البحث.
فلتكن تجربتي خير دليل على مدى تدمير هؤلاء لحياة الناس. فيا أخي لا تقع في شراكهم ولا تكن ضحيتهم المقبلة، ولتعلم أنهم استباحوا الكذب تحت ما يسمى بالتقية، ولذلك كن على حذر منهم، فإن لم ينجحوا في استقطابك استغلوك في قضاء أغراضهم.

1. إدريس الكنبوري: “النقد الذاتي بدل المراجعة”. صحيفة هسبريس الإلكترونية. 16 ماي 2014
2. صدرت تلك المراجعات في أربعة كتب عن مكتبة التراث الإسلامي بالقاهرة في يناير 2002 ، تحت اسم “سلسلة تصحيح المفاهيم”، وهذه الكتب هي”مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية”، “حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين”، “تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء”، و”النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين”.
. 3. الكتاب الأول، ص 6
www.egyig.com : 4. انظر النص الكامل لهذه الوثيقة في موقع الجماعة الإسلامية المصرية على الأنترنت 2007/21/ 5. الحياة (لندن) 01

6. سوف نتعرض لهذه المسألة بتفصيل في كتابنا المقبل تحت عنوان:” السلفية الجهادية في المغرب: بين الحوار والمراجعة”. الظاهر في تقديرنا أن كون روبير ريشار فرنسيا جعله غير معني ب”الخصوصية الدينية” للمغرب، التي من مكوناتها المالكية وإمارة المؤمنين. إن روبير ليس نتاجا للسلفية المحلية بقدر ما هو نتاج لتيار سلفي جهادي عالمي يمثله تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن .

7. عبد الوهاب رفيقي في حديث خاص مع الكاتب. مراكش. ماي 2018

8. مثله.
9. “الأجوبة السنية على الأسئلة الثلاثينية”، وثيقة خاصة بالكاتب في 125 صفحة. وقد قدم لها هاني السباعي، أحد مشايخ السلفية الجهادية المعروفين في لندن، ورفيق أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة

 

 

 

Télécharger le PDF intégral